بواسطة: أسرتنا
بتاريخ : الأربعاء 20-09-1430 هـ 04:26 مساء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
لقد خص الله العشر الأواخر من رمضان أن جعل فيها ليلة القدر، قال الله تعالى: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [سورة الدخان: 1-6].
أنزل الله القران الكريم في تلك الليلة التي وصفها رب العالمين بأنها مباركة، وقد صح عن جماعة من السلف منهم ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم أن الليلة التي أنزل فيها القران هي ليلة القدر.
وقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، أي تقدّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام؛ فيكتب فيها الأحياء والأموات والناجون والهالكون والسعداء والأشقياء والعزيز والذليل والجدب والقحط، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة.
ومعنى (القدر): التعظيم، أي أنها ليلة ذات قدر، لهذه الخصائص التي اختصت بها، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر . وقيل: القدر بمعنى القدَر - بفتح الدال - وذلك أنه يُقدّر فيها أحكام السنة كما قال تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، ولأن المقادير تقدر وتكتب فيها .
فسماها الله تعالى ليلة القدر، وذلك لعظم قدرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذنوب وستر العيوب فيها فهي ليلة المغفرة، كما في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" [البخاري (1910) ، ومسلم (760)] .
· خصائص ليلة القدر:
وقد خص الله تعالى هذه الليلة بخصائص:
1- منها أنه نزل فيها القرآن، كما تقدّم، قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . [تفسير ابن كثير: 4/529] .
2- وصْفها بأنها خير من ألف شهر في قوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [سورة القدر: 3].
3- ووصفها بأنها مباركة في قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) [سورة الدخان:3].
4- أنها تنزل فيها الملائكة، والروح، (أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَق الذِّكْر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيماً له) [أنظر: تفسير ابن كثير: 4/531]، والروح هو جبريل -عليه السلام-، وقد خصَّه بالذكر لشرفه .
5- ووصفها بأنها سلام، أي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى كما قاله مجاهد أنظر. [تفسير ابن كثير: 4/531]، وتكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم العبد من طاعة الله عز وجل .
6- (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [سورة الدخان:4]، أي: يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها، كل أمر محكم لا يبدل ولا يغير. [انظر: تفسير ابن كثير 4/137،138]، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وكتابته له، ولكن يُظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو وظيفتهم، [شرح صحيح مسلم للنووي: 8/57].
7- أن الله تعالى يغفر لمن قامها إيماناً واحتساباً ما تقدم من ذنبه، كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه . وقوله: "إيماناً واحتساباً"، أي: تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه وطلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه . [فتح الباري: 4/251].
وقد أنزل الله تعالى في شأنها سورة تتلى إلى يوم القيامة، وذكر فيها شرف هذه الليلة وعظَّم قدرها، وهي قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [سورة القدر].
فقوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) تنويهاً بشأنها، وإظهاراً لعظمتها . (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي: إحْياؤها بالعبادة فيها خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة، وهذا فضل عظيم لا يقدره قدره إلا رب العالمين تبارك وتعالى، وفي هذا ترغيب للمسلم وحث له على قيامها وابتغاء وجه الله بذلك، ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلتمس هذه الليلة ويتحراها مسابقة منه إلى الخير، وهو القدوة للأمة، فقد تحرّى ليلة القدر .
وفي رواية قال أبو سعيد: "مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد في مُصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظرت إليه، وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مُبتل طيناً وماء" متفق عليه، وروى مسلم من حديث عبد الله بن أُنيس -رضي الله عنه- نحو حديث أبي سعيد لكنه قال: (فمطرنا ليلة ثلاثة وعشرين) وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" [رواه البخاري 4/260]
وليلة القدر في العشر الأواخر كما في حديث أبي سعيد السابق، وكما في حديث عائشة وحديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" [حديث عائشة عند البخاري 4/259، وحديث ابن عمر عند مسلم 2/823]، وهذا لفظ حديث عائشة . وفي أوتار العشر آكد، لحديث عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر" [رواه البخاري 4/259].
وفي الأوتار منها بالذات، أي ليالي: إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين؛ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوها في العشر الأواخر، في الوتر" [رواه البخاري (1912)]
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" [رواه البخاري (1917 - 1918)]؛ فهي في الأوتار أحرى وأرجى إذن .
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: "خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى (أي تخاصم وتنازع) رجلان من المسلمين، فقال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" [البخاري (1919)]. أي في الأوتار .
وفي هذا الحديث دليل على شؤم الخصام والتنازع، وبخاصة في الدِّين وأنه سبب في رفع الخير وخفائه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى" فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع وتكون الاثنان والعشرون تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشهر، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه" .أ.هـ [الفتاوى: 25/284،285] .
· العلامات التي تعرف بها ليلة القدر:
العلامة الأولى: ثبت في صحيح مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن من علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شُعاع لها . [مسلم (762)]
العلامة الثانية: ثبت من حديث ابن عباس عند ابن خزيمة، ورواه الطيالسي في مسنده، وسنده صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليلة القدر ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، تُصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة" [صحيح ابن خزيمة (2912)] .
العلامة الثالثة: روى الطبراني بسند حسن من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليلة القدر ليلة بلجة" -أي مضيئة-، لا حارة ولا باردة، لا يرمى فيها بنجم"، أي: لا ترسل فيها الشهب. [رواه الطبراني في الكبير انظر مجمع الزوائد 3/179، مسند أحمد]؛ فهذه ثلاثة أحاديث صحيحة في بيان العلامات الدالة على ليلة القدر .
ولا يلزم أن يعلم من أدرك وقامها ليلة القدر أنه أصابها، وإنما العبرة بالاجتهاد والإخلاص، سواء علم بها أم لم يعلم، وقد يكون بعض الذين لم يعلموا بها أفضل عند الله تعالى وأعظم درجة ومنزلة ممن عرفوا تلك الليلة وذلك لاجتهادهم .
نسأل الله أن يتقبّل منا الصيام والقيام، وأن يُعيننا فيه على ذكره وشُكْره وحُسْن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد.