بواسطة: أسرتنا
بتاريخ : الخميس 14-09-1430 هـ 02:09 مساء
ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس
عليك أن تقنع بما قسم لك من جسم ومال وولد وسكن وموهبة، وهذا منطق القرآن (فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) إن غالب علماء السلف وأكثر الجيل الأول كانوا فقراء لم يكن لديهم أعطيات ولا مساكن بهية، ولا مراكب، ولا حشم، ومع ذلك أثروا الحياة وأسعدوا أنفسهم والإنسانية، لأنهم وجهوا ما آتاهم الله من خير في سبيله الصحيح فبورك لهم في أعمارهم وأوقاتهم ومواهبهم،
ويقابل هذا الصنف المبارك ملأ أعطوا من الأموال والأولاد والنعم، فكانت سبب شقائهم وتعاستهم، لأنهم انحرفوا عن الفطرة السوية والمنهج الحق وهذا برهان ساطع على أن الأشياء ليست كل شيء، انظر إلى من حمل شهادات عالمية لكنه نكرة من النكرات في عطائه ولهمه وأثره، بينما تجد آخرين عندهم علما محدودا، وقد جعلوا منه نهرا دافقا بالنفع والإصلاح والعمار. إن كنت تريد السعادة فارض بصورتك التي ركبك الله فيها، وارض بوضعك الأسرى وصوتك ومستوى فهمك، ودخلك، بل إن بعض المربين الزهاد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون لك: ارض بأقل مما أنت فيه وبدون ما أنت عليه وأنشدوا:
سعادتك العظمى إذا كنت عاقلا هناك بحال دون حال تعيشها
إليك قائمة رائعة مليئة باللامعين الذين بخسوا حظوظهم الدنيوية :
عطاء بن أبي رباح عالم الدنيا في عهده، مولى أسود أفطس أشل مفلفل الشعر. الأحنف بن قيس، حليم العرب قاطبة، نحيف الجسم، أحدب الظهر، أحنى الساقين، ضعيف البنية. الأعمش محدث الدنيا، من الموالي، ضعيف البصر، فقير ذات اليد، ممزق الثياب، رث الهيئة والمنزل. بل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، كل منهم رعى الغنم، وكان داود حدادا و زكريا نجارا، وإدريس خياطا، وهم صفوة الناس وخير البشر. إذا فقيمتك مواهبك وعملك الصالح ونفعك وخلقك، فلا تأس على ما فات من جمال أو مال أو عيال، وارض بقسمة الله (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا).
ذكر نفسك بجنة عرضها السماوات والأرض
إن جعت في هذه الدار أو افتقرت أو حزنت أو مرضت أو بخست حقا أو ذقت ظلما فذكر نفسك بالنعيم والراحة والسرور والحبور والأمن والخلد في جنات النعيم، إنك إن اعتقدت هذه العقيدة وعملت لهذا المصير تحولت خسائرك إلى أرباح، وبلاياك إلى عطايا، إن أعقل الناس هم الذين يعملون للآخرة لأنها خير وأبقى. وان أحمق وأبله هذه الخليقة هم الذين يرون أن هذه الدنيا هي قرارهم ودارهم ومنتهى أمانيهم، فتجدهم أجزع الناس عند المصائب، وأندمهم عند الحوادث، لأنهم لا يرون إلا حياتهم الزهيدة الحقيرة، لا ينظرون إلا إلى هذه الفانية، لا يتفكرون في غيرها ولا يعملون لسواها، فلا يريدون أن يعكر لهم سرورهم ولا يكدر عليهم فرحهم، ولو أنهم خلعوا حجاب الران عن قلوبهم، وغطاء الجهل عن عيونهم لحدثوا أنفسهم بدار الخلد ونعيمها ودورها وقصورها، ولسمعوا وأنصتوا لخطاب الوحي في وصفها، إنها والله الدار التي نستحق الاهتمام والكد والجهد.
هل تأملنا طويلا وصف أهل الجنة بأنهم لا يمرضون ولا يحزنون ولا يموتون، ولا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، في غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يسير الراكب في ظل شجرة من أشجارها مائة عام لا يقطعها، طول الخيمة فيها ستون ميلا، أنهارها مطردة، قصورها منيفة، قطوفها دانية، عيونها جارية، سررها مرفوعة، أكوابها موضوعة، نمارقها مصفوفة، زرابيها مبثوثة، تم سرورها، عظم حبورها، فاح عرفها، عظم وصفها، منتهى الأماني فيها، فأين عقولنا لا تفكر، ما لنا لا نتدبر. إذا كان المصير إلى هذه الدار فلتخف المصائب على المصابين ولتقر عيون المنكوبين ولتفرح قلوب المعدمين
فيا أيها المسحوقون بالفقر، المنهكون بالفاقة المبتلون بالمصائب، اعملوا صالحا لتسكنوا جنة الله وتجاوروه تقدست أسماؤه (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ).